الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

300

مناهل العرفان في علوم القرآن

يبتكر بعبقريته أمرا هو مفخرة المفاخر ومعجزة المعجزات ، ثم يقول للعالم في صراحة : ليس هذا الفخر فخرى ، وما هو من صنعي ، وما كان لدى استعداد أن آتى بشيء منه ، وأنتم تعرفوننى وتعرفون استعدادي من قبل ؟ ألا إن هذا يخالف العقل والمنطق ، ويجافى العرف والعادة ، وينافي مقررات علم النفس وعلم الاجتماع ، فإن النفوس البشرية مجبولة على الرغبة في جلائل الأمور ومعاليها ، مطبوعة على حب كل ما يخلد ذكرها ويرفع شأنها ، لا سيما إذا كان ذلك نابعا منها وصادرا عنها ، وكان صاحب هذه النفس صدوقا ما كذب قط ، رافعا عقيرته بزعامة الناس ودعوتهم إلى الحق . وليس شئ أجل شأنا ولا أخلد ذكرا من القرآن الكريم ، الذي جمع اللّه به شمل أمة ، وأقام به خير ملة ، وأسس به أعظم دولة فما كان لمحمد أن يزهد في هذا المجد الخالد ، ولا أن يتنصل من نسبته إليه لو كان من وصفه وصنعه ، وهو يدعو الخلق إلى الإيمان به وبما جاء به ! . وأي وجه لمحمد في أن يتنصل من نسبة القرآن إليه وهو صاحبه ؟ إنه إن كان يطلب الوجاهة والعلو والمجلد ، فليس شئ أوجه له ولا أعلى ولا أمجد من أن يكون هذا القرآن كلامه وإن كان يطلب هداية الناس ، فالناس يسرهم أن يأخذوا الهداية مباشرة ممن يعجز الجن والإنس بكلامه ، ويتحدى كل جيل وقبيل ببيانه ، ويقهر كل معارض ومكابر ببرهانه . ولو كان القرآن من تأليف محمد لأثبت به ألوهيته بدلا من نبوته ، لأن هذا القرآن لا يمكن أن يصدر إلا عن إله كما بينا في الوجوه السالفة للإعجاز ، وإذن لكانت تلك الألوهية أبلغ في نجاح دعوته ، وأرجى في ترويج ديانته ، لأن الناس تبهرهم الألوهية . أكثر مما تبهرهم النبوة ، ويشرفهم أنهم أتباع إله أكثر من أن يشرفهم أنهم أتباع رسول لم يخرج ولن يخرج يوما من أرض العبودية ، ولم يرتق ولن يرتقى يوما إلى سماء الربوبية . « العبد عبد وإن تعالى * والمولى مولى وإن تنزل » ولهذا كان أعداء الرسل كثيرا ما يعظم عليهم أن يخضعوا لرجل منهم ، وكانوا يعجبون أن يوحى إلى بشر مثلهم ويقترحون أن يروا اللّه جهرة أو تنزل لهم الملائكة عيانا .